عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

428

اللباب في علوم الكتاب

يقال إن الذي يبدي الصدقات ، لا يكفّر من سيئاته ، فقد صار التكفير شاملا للنوعين : من إبداء الصدقات ، وإخفائها ؛ وإن كان الإخفاء خيرا » . قوله تعالى : « مِنْ سَيِّئاتِكُمْ » في « من » ثلاثة أقوال : أحدها : أنها للتّبعيض ، أي : بعض سيئاتكم ، لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات ، وعلى هذا فالمفعول في الحقيقة [ محذوف ] ، أي : شيئا من سيئاتكم ، كذا قدّره أبو البقاء . والثاني : أنها زائدة وهو جار على مذهب الأخفش ، وحكاه ابن عطية عن الطبري عن جماعة ، وجعله خطأ ؛ يعني من حيث المعنى . والثالث : أنها للسببية ، أي : من أجل ذنوبكم ؛ وهذا ضعيف . والسيئات : جمع سيّئة ، ووزنها : فيعلة ، وعينها واو ، والأصل : سيوءة ، ففعل بها ما فعل بميّت ، كما تقدّم . قوله : « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » إشارة إلى تفضيل صدقة السرّ على العلانية ؛ كأنه يقول : أنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاة اللّه ، وقد حصل مقصودكم في السر ؛ فما معنى الإبداء ؟ فكأنّهم ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء ؛ ليكون أبعد من الرياء ، وكسر قلب الفقير . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 272 ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 ) هذا الكلام متصل بما قبله من ذكر الصدقات ، كأنه بيّن فيه جواز الصدقة على المشركين . قوله : « هُداهُمْ » : اسم ليس ، وخبرها الجارّ والمجرور . و « الهدى » مصدر مضاف إلى المفعول ، أي : ليس عليك أن تهديهم ، ويجوز أن يكون مضافا لفاعله ، أي : ليس عليك أن يهتدوا ، يعني : ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء . وفيه طباق معنويّ ، إذ التقدير : هدي الضّالّين ، وفي قوله : « وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي » مع قوله تعالى : « هُداهُمْ » جناس مغاير ؛ لأنّ إحدى الكلمتين اسم ، والأخرى فعل ، ومفعول « يشاء » محذوف ، أي : هدايته . فصل في بيان سبب النزول روي في سبب النزول وجوه : أحدها : أن قتيلة أمّ أسماء بنت أبي بكر ، أتت إليها ؛ تسألها شيئا ، وكذلك جدّتها ،